azzaman
2008/02/05
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

شارع يتثاءب من حكايات الماضي البعيد
الشاعر لا يتقن الهروب من الحزن حتي في اللحظات السعيدة

امجد صلاح
غالباً ما نتذوق نكهة الدموع والألم في نصوص شعراء عاشوا ويعيشون في ظل ظروف أقل ما يقال عنها إنها جيدة من نواحٍ قد تشكل عاملاً مؤثراً بشكلٍ بارز في تكوين شخصيتهم الإنسانية والشعرية والتي تستند بشكلٍ أساسي الي الحالة النفسية المتأتية كنتيجة لتلك الظروف ، فالشاعر لا يتقن الهروب من الحزن حتي في اللحظات السعيدة . كيف اذاً بشعراء يرزحون تحت وطأة ظروف اقل ما يقال عنها انها سيئة ؟ . الشاعر العراقي اليوم يعيش حالة من التمزق الوجداني نتيجة لما يراه ويسمعه من حوله من قصص القتل والتشرد والخوف والجوع وما الي ذلك من امور تساهم مساهمة فعالة في خلق النص الجريح المعبر عما بداخل الشاعر من ألم عميق هو رد فعل طبيعي لكل انسان يتعرض لما تعرض له الانسان العراقي
من هنا يأتي نص الشاعر علي محمود خضير (( شارعنا )) متخماً بالحزن واليأس والإحباط المتولد نتيجة لرحلة الشاعر المنحصرة ضمن المسافة المتشكلة بين أحلامه وبين شارع منطقته والتي يراها كبيرة نظراً للحالة البائسة التي يعانيها ذلك الشارع متمثلة بحزن وإهمال وركود وكسل وأساطيرٌ طالما كانت لها اليد الأطول في البطش بالشارع وتشويه جمال وجهه المفروض ، أساطيرٌ يري بأنها مصرة علي أن تتدخل في حياة ابناء الشارع او يدخلوها هم في حياتهم دون أي محاولة لمحو آثار الماضي عن المستقبل وتجديد معالمه ، وهنا يتحفنا الشاعر بإلتفاتة ذكية عندما يطلق علي ذلك المستقبل تسمية (( الماضي القادم )) .
كبيرة هي المسافة /بينَ أحلامي وشارع منطقتنا /شارعنا الذي تناوله التثاؤب، /الحزن، والإهمال /وتراكمت عليه قصص وحكايات الماضي البعيد، /الماضي القريب
والماضي القادم!
يستطرد الشاعر في وصف ذلك الشارع الذي اصبح محور قصيدته والذي لم يزل مذعناً لكل ما يلاقيه من اذيً واهمال وذلك بتخليه عن كل وسائل الرفض والتذمر ومنها البكاء ، البكاء الوسيلة الأضعف إيماناً للتعبير عن الإحتجاج تخلي عنها ذلك الشارع والتجأ الي الصمت والصبر رغم ما عاني ابناءه - الرافضون لواقعهم علي الأقل - من تدمير واهمال لأفراحهم وأحلامهم ، لم يهزه شيء من ذلك وأصر علي موقفه المتسم بالصمت والصبر .. والإنتظار . إن الإنتظار لا يتحقق الا بوجود شيء منتظر - بالفتح - إلا إن الشاعر عمد هنا الي جعل ذلك المنتظر مجهولاً بإنهائه المقطع الاول من النص بالفعل المضارع (( ينتظر )) دون أن يعقبه بمفعول به مشيراً الي تقبل الشارع لكل منتظر - بالفتح - أياً كان ومهما كان
شارعنا الذي أصبح لا يبكي! /المنخور من كل الزوايا /لا يزالَ صامتاً /صابرا.ً
شارعنا.. تكسرت افراحنا عليه /رمينا مع نفاياته /أحلامنا المعلبة! /لازال هناك
كما كان دائماً /هادئاً.. صامتاً.. يتثائب /وينتظر!
يعود الشاعر الي ذكر المسافة التي يدور فيها ويري بأنها تزداد كبراً بمرور الايام ، تلك المسافة المعبرة عن التنافر بين واقعنا المرير - شارعنا - وبين طموحاتنا في حياة راقية وواقع جميل -أحلامنا - وهو تنافر يشتد مع ازدياد رداءة الشارع وازدياد كبر الأحلام
في كل يوم/تكبر المسافة بين احلامي وشارعنا/تسوء العلاقة بينهما
ولكن أيدعو ذلك التنافر الشديد الي الاستسلام ؟ أيدعو الي أن نرجح الكفة لرداءة الواقع ؟ الشاعر يقول نعم
واعلن استسلامي/وتنازلي عن احلاميّ القديمة
في هكذا حال ، من الطبيعي أن يجتاح الضجر الانسان حين يري نفسه مستسلماً متنازلاً ، إلا إن الشاعر وقع في خطأ عند رسم صورة ذلك الضجر وهو يجتاحه حيث يمضي قائلاً :
والرضا
بتوقيع اتفاقية هدنة مع الضجر
ان اتفاقية الهدنة حين يتم توقيعها بين طرفين فمعني ذلك أن لا يمس احدهما بالاخر او يعتدي عليه وهذا ما لا يقصده الشاعر ، في الواقع ان الشاعر أنهي اتفاقية الهدنة مع الضجر عند استسلامه وتنازله عن احلامه .
ويسترسل الشاعر في الحديث عن ذلك الشارع الذي تكرر ذكره لثمان مرات خلال القصيدة مما جعله جديراً بأن يكون عنواناً لها فهو اللفظة الأكثر تكراراً في النص وعليه ترتكز الفكرة الأساسية للقصيدة ، يسترسل بوصفه ولكن بشكلٍ مختلف هذه المرة ، فالشارع أصبح معلماً هنا يعلم (( الجوع والخوف والبكاء والهروب )) وتلك حالات نجح الشاعر في ترتيب تسلسلها وجعل كل واحدة منها نتيجة وما قبلها سبباً .
شارعنا الذي علمني/الجوع ../الخوف ../البكاء ../والهروب ../شارعنا المعلم ..
يعرفُ وجهيّ جيداً/ولا زلتُ رغم كل سنيني معه/لا أعرفه
المعلم يعرف وجه تلميذه والتلميذ لا يعرف وجه معلمه ، وهذا مغاير للمألوف اذا كان الكلام ظاهر المعني ، أما في النص الشعري فالكلمات قد تكون رموز ، وهذا بالضبط ما يحصل هنا ، المعلم هو الشارع والشارع هو الواقع والتلميذ هو الشاعر والشاعر هو الانسان ، اذن هي علاقة انسان بواقعه ، قد يكون الواقع غامضاً او غير غامض بالنسبة للانسان ، ولكن هل يكون الانسان غامضاً او غير غامض بالنسبة للواقع ؟ هذا رمز اخر في النص ، وتفكيكه يعتمد علي احتمال رؤية الشاعر للواقع علي انه مجاميع من الاشخاص الذين يعرفونه وينكرهم.
هذا الواقع المنكر ، لا يزال الشاعر يرقبه متطلعاً الي استكشافه وفهم معانيه واستيضاح غموضه ترقباً متوجساً قلقاً كترقب (( طفل ضائع )) فتأتي ردة فعل الواقع باعثةً للرعب آمرةً بالإحجام.
ما زلت أرقبه كطفل ضائع/وكم هو صعب /أن تصرخ في طفل ضائع
وفي النهاية ، يتحدث الشاعر عن امتلاء ذلك الشارع الدائم (( بالمطر ، بالحزن ، بدموعنا ، وحتي بدمائنا )) ويعمد الي استخدام ازدواجية لغوية تحقق معنيً متضمناً لرؤية متألمة تنبيء باحتمالية استمرار المعاناة والاحزان المتمثلة بالصورة المأساوية للشارع وعدم التخلص حتي الان من المصدر المولد لتلك الصورة .
شارعنا الفائض دائماً/ بالمطر !/بالحزن !/بدموعنا !
وحتي بدمائنا !/لم يجد من يصرف الفيضان عنه/ولم نجد من يوقف النزف فينا

Azzaman International Newspaper - Issue 2910 - Date 6/2/2008

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2910 - التاريخ 6/2/2008

AZP09

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق